![]() |
![]() |
![]() |
||||||||||||||||||||||
|
|
|
|||||||||||||||||||||||
رقصة لعبيد "كنكا"
كنكا : كلمة لها مرجعية زنجية ترتبط بالصوت الذي يترتب عن ضرب الطبول التي يطلق عليها اسم كنكا. و ترتبط لفظة كنكا بالنسق "الكناوي". لفظ الكناوي : يرى محمد ابزيكا أن لفظ الكناوي تكييف عربي للفظة "أكناو" الأمازيغية التي تعني خاصية في الجهاز الصوتي بالنسبة للمستمع الأمازيغي و هي الأبكم، و لكنه يعود ليضيف أن لفظة أكناو بدورها مقاربة للفظة "انكوني" (Ngoni) التي تطلق حسب قوله على آلة الهجهوج الكناوي في مالي (المحور الثقافي – 19/04/1981). إن تسمية "كناوة" ترجع إلى قبيلة "الكانكا" الواقعة بين تومبوكتو و تالاندي بالسودان الغربي. و من ثم نتساءل : ما علاقة الأداة كنكا في رقصة العبيد بما ذكرناه حول كناوة الكانكا ؟ إن الحضور الإفريقي الزنجي في الموسيقى المغربية / الصحراوية ليس وليد الصدفة. و إنما نتاج لتلاقح الثقافات من خلال الانفتاح و جسد من خلال الممارسة الموسيقية في مظهريها النغمي و الإيقاعي خصوصا و أن المناطق الصحراوية هي الأكثر قربا من السودان من حيث الجوار. يطلق على الرقصة أيضا إضافة إلى كنكا : "لعب لعبيد"، و هو المصطلح المحلي في واد نون الذي يطلق على الرقص الخاص بالسود خلال موسمهم السنوي الذي يقام في فصل الصيف. و تجدر الإشارة إلى أن هناك فرقا بين من يسمون العبيد و بين "الحراطين" و هي فروق تنبني على سمات معينة تجعل من العبيد أعلى مرتبة من الحراطين ذلك أنهم ينعتون بأنهم "حر"، ليس بمعنى الحرية و إنما لفظة حر هنا يشار بها إلى التميز و كأنها تعني خالص. و يتميز العبيد بلونهم الأسود جدا و بصغر الأذنين بينما الحراطين يكون لونهم ممزوجا بصفرة. قبل أن تبدأ احتفالات العبيد بأسبوع على الأقل يقومون بجولة داخل القرية أو المدينة التي سيقام فيها الاحتفال. و هي جولة تهدف إلى جمع الأموال و التبرعات من سكر و دقيق لتغطية مصاريف و مؤونة المدة التي سيقام خلالها الاحتفال. كما يقومون بزيارة الأضرحة و الأولياء الصالحين المتواجدين بفضاء الاحتفال قصد التبرك بهم. يبدأ الاحتفال قبل غروب الشمس بقليل فتوقد النيران من أجل تدفئة الدفوف و الطبول (كنكا) و هما الآلتان المستعملتان في هذه الرقصة، و يشتت الملح داخل المساحة المخصصة للرقص حتى يكون الراقصون في مستوى جيد و حتى لا يسئم المتفرجون.
يصطف الراقصون فيشكلون صفين : الأول مكون من العبيد الذين يحملون الدفوف و يصل عددهم إلى عشرة أو أكثر أحيانا بينما يتكون الثاني من العبيد الذين يحملون كنكا و لا يتجاوز عددهم ثلاثة و يكون المسير للجوقة واحدا منهم و يبدأ بإلقاء الأبيات و يرددها الصف الثاني في جو نغمي معبر له دلالة متميزة. و غالبا ما يطغى على الأبيات الطابع الديني المتمثل في مدح الرسول (ص) و الصلاة عليه إضافة إلى ذكر بلال من منطلق ادعائهم أنهم أبناء سيدنا بلال و بموازاة مع تلك الأناشيد التي يرددونها يقومون بحركات منسجمة مع الإيقاع الموسيقي متحركين مدا و جزرا يمينا و شمالا مع بعض الانحناءات إضافة إلى دورات يقوم بها حاملو كنكا. و تستمر الحركات في التكرار دون أن تخلق مللا في نفوس المتفرجين و لا في نفوس الراقصين، و ظاهرة التكرار تهيمن على كل الرقصة بسائر عناصرها من عزف و إنشاد و رقص. كما تقدم الفرجة في هذه الرقصة في إطار زمني يستغرق في الغالب ساعات طويلة من الليل. و ما يميز رقصة العبيد / كنكا أنها رقصة استشفائية و إن كان جمهورها يأتي من أجل الفرجة فإن البعض يأتي من أجل "الزيارة"، و لفظ الزيارة يضفي صفة القداسة على العبيد و كأنهم أولياء يتم التبرك بهم و هذه القداسة تستمد مرجعيتها من ارتباط العبيد بسيدنا بلال كشخصية عرفت بإيمانها القوي و تقواها مما يجعلهم قادرين على الإشفاء و التطبيب من شر العين و الحسد. و يتم الطقس الإشفائي حيث يتقدم المريض أو من تعود التبرك بالعبيد في موسمهم نحو المساحة المخصصة للرقص بعد انتهائهم من الرقص الذي يأتي عبر أشواط تتخللها استراحات لتدفئة الدفوف و الطبول و لعملية الزيارة. يجلس الزائر أو الزائرة و قد يصل عددهم إلى ثلاثة أو أربعة وسط الحلقة المستديرة المكونة من العبيد حاملي الدفوف و الكنكا، و يدور العبيد دورات متتالية مرددين : لـعـفـو يـا مـولانـا لـعـفـو يـا مـولانـا ثم يقوم مسير الجوقة بإخراج الزائر أو الزائرة من الحبل الذي تشد به كنكا ثلاث مرات. و يكون مقابل الزيارة نقودا أو سكرا. و بعد إخراجه من حبل كنكا يقومون بترديد مجموعة من الدعوات ثم يختمون بالفاتحة. و لعل ما يجعل الرقصة أكثر إثارة هو دخول النساء "لخدم" إلى جانب لعبيد حينما يبلغ الإيقاع عنفوانه، فيشكان صفا في موازاة الرجال يرتدين "لملاحف" و "النكسة" و يتزين بتخضيب الأيدي بالحناء. و يؤدين رقصتهن في اهتزاز معبر حيث يحركن رؤوسهن ذات اليمين و ذات الشمال و تبلغ نشوة الرقص عمقا و قوة، فتردد هذه التحمية : ضـربـــــو كنكا لاوليا مـبـيـريـكــة يا زين لعما لعما يا لبيضان مـبـيـريـكــة يا زين لعما لعما يا لبيضان على منات السودان و من خلال التحميات نلاحظ أن لعبيد ينعتون أنفسهم بالأولياء كما نلمس تغزلا بشخص مبيريكة و هي الخادم المتضلعة في الرقص، كما يحاول لعبيد دفع شر العين عن لخدم لكل من يحاول أن ينظر إليهن بعين الحسد من خلال المقطع : لعما لعما يا لبيضان مـبـيـريـكــة يا زين لبيضان : الجنس الأبيض بالعودة إلى ما عرفه لعبيد من اغتصاب للحرية من طرف البيض، فإن الرقصة شكلت تفجيرا لكل تلك الأحقاد الكامنة في نفوسهم و التي خلفها ما مورس عليهم من قهر و استغلال يصل أحيانا إلى حد التعذيب الجسدي. و لعل ترديد تحمية : لـعـفـو يـا مـولانـا لـعـفـو يـا مـولانـا خير تعبير عما عاناه لعبيد في علاقتهم بالبيض. إن الرقصة من هذا المنطلق تفريغ و تعبير عن هموم لعبيد كلمة و حركة شكلتا رفضا لواقع مرير.
إعداد الأستاذة : رشيدة
أعريك |
||||||||||||||||||||||||
|
|
||||||||||||||||||||||||
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
|
||||